عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

262

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

الرجل للماء بعض سخونة فقال : من أين هذا ؟ قال سخنته على نار القنديل فبلغ السجان ذلك فرفع القنديل فأخذ الولد الماء وجعل إناءه على فؤاده طول الليل حتى حصل له بعض سخونة فقال أبوه : من أين هذا فأخبره فرفع يديه وقال : اللهم لا تذقه حر جهنم . ( حكاية ) قال الخواص رحمه اللّه تعالى : كنت في البادية فرأيت رجلا إلى جانبي فقلت له : من أنت ؟ قال الخضر قلت له : فبأي وسيلة رأيتك ؟ قال ببرك لأمك وقال بعض العارفين للأم ثلاثة أرباع البر لأنها وضعت الولد بمشقة والأب وضعه بشهوة ولأن ماء الرجل يخرج من ظهره وماء المرأة يخرج من بين الترائب وهو الصدر والصدر أقرب إلى القلب من الظهر فصارت شفقتها أكثر من شفقة الأب فاستحقت ثلاثة أرباع البر ، وقد بدأ اللّه تعالى بذكرها في الآية المتقدمة . ( مسألة ) الولد يتبع أمه غالبا حتى لو تزوج عبد بجارية فالولد لصاحب الجارية ، وتقدم في باب الغيبة والنميمة أنه يجوز بيع الولد مع أمه لا مع أبيه وإن رضيت الأم فإن فرق بينه وبين أمه ببيع أو هبة بطلا قال في الروضة : لو اختلط حمامه بحمام غيره فما حصل بينهما من بيض أو فرخ فهو تبع لأمه . ( حكاية ) كان في بني إسرائيل وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام رجل صالح له ولد صغير وله عجلة صغيرة من ولد البقرة فلما حضره الموت قال : اللهم إني استودعك هذه العجلة لهذا الصبي فلما كبر الولد اجتهد في العبادة فكان يقوم ثلث الليل وينام ثلثه ويتضرع ثلثه ويعمل بالنهار بدراهم فيتصدق بثلثها ويأكل بثلثها ويعطي أمه ثلثا ثم قالت له أمه : إن أباك ترك عجلة في مكان كذا فانطلق إليها فلما جاء بها قالت : اذهب إلى السوق وبعها بثلاثة دنانير ولا تبعها إلا بإذني فقال له ملك خذ ثمنها ستة دنانير ولا تستأذن أمك فقال : لا بد من إذنها فرجع إليها وأخبرها بذلك فقالت : إنه ملك ارجع إليه وقل له تأمرني ببيعها أم لا فقال : أمسكها فإن موسى يشتريها بملء جلدها ذهبا فقدر اللّه على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة مكافأة للولد على بر أمه ولبيان القتيل لأنهم كانوا ينكرون البعث فلما ذبحوها وضربوا القتيل ببعضها قيل بلسانها وقيل بشيء من جلد ظهرها فأحياه اللّه تعالى وأخبرهم بالذي قتله ، وقيل إن الجلدة التي من ظهرها وصلت إلى عمر رضي اللّه عنه فكانت درته ، وكان لأبي بكر رضي اللّه عنه القضيب ولأن الناس كانوا في نور النبوة لقرب عهدهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فكانوا أسرع انقيادا للحق من غيرهم ، وكان لعمر رضي اللّه عنه الدرة لأن الناس طال عهدهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فتباعدوا عن الحق فردهم عمر بالدرة وكان لعثمان رضي اللّه عنه السوط لأن الناس زاد تخليطهم فأدبهم عثمان رضي اللّه عنه بالسوط ، واتخذ علي رضي اللّه عنه السيف لأن الناس فرقت الأهوية بين كلمتهم ، وقد وصف اللّه تعالى البقرة بصفات فقال : لا فارِضٌ [ البقرة : 68 ] أي غير مسنة وَلا بِكْرٌ [ البقرة : 68 ] كأنه وصفها بعدم الولادة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] أي لا كبيرة ولا صغيرة وقال مجاهد : العوان هي التي ولدت مرة بعد أخرى فاقِعٌ لَوْنُها [ البقرة : 69 ] أي لونها خالص الصفرة المعروفة قاله الجمهور وقال الحسن : المراد بالصفرة هنا شدة السواد لا ذَلُولٌ [ البقرة : 71 ] أي